مرحباً بكم في معهد مرّة |

د. أبو فنه : دور القراءة في تنمية التفكير وتذويت القيم

عودة للذكريات: ارتأيت هذه المرة أن أشذ عما اعتدت عليه في السنوات الأخيرة، فلم ألجأ إلى إعداد “عارضة” وشرائح، ولم أعد إلى المراجع لأوثق وأدعم أقوالي، بل عدت إلى الذكريات وتداعياتها لأكون عفويا في حديثي، أخاطبكم من القلب إلى القلب، بعيدا عن “أطر” الموضوعية المفرطة. والذكريات، كما أرى، هي الكنز الذي نغرف منه في مثل هذه الظروف الشحيحة!
إنها الدوحة الباسقة التي نستظل بظلها في هجير أيامنا القاسية!
إنها النبع الفياض الرقراق الذي يزودنا بماء الأمل والتفاؤل!
أيها الأخوة والأخوات الكرام!
هنا في الطيرة، بلد العزة والإباء، درست المرحلة الثانوية…
هنا نهلت العلم والأدب يافعا غضا!
وهنا بدأ مشواري مع عالم المعرفة، وهنا تبلور عشقي للقراءة وللغتنا العربية الخالدة!
على ثرى الطيرة الخصب، وفي أجوائها العبقة، وبين كرومها المعطاء، وتحت أشجارها الظليلة، وفي سهولها الخضراء… عرفت الكتاب وعشقت المطالعة!
أذكر، وكيف أنسى، تلك الليالي الرائعة ، وأنا أسكن في تلك الغرفة “الشاعرية” عند المرحوم طيب الذكر أبو رأفت، وعلى ضوء مصباح كهربائي يتيم، كيف كنت التهم الكلمات، وأعيش أجواء القصص والقصائد التي كانت تشدني…
أذكر، وكيف أنسى، تلك الأيام الجميلة الهادئة في فصل الربيع، وغالبا ما تكون يومي الجمعة والسبت عندما أبقى في الطيرة ولا أسافر لبلدي كفر قرع، أذكر كيف كنت ألقي بنفسي في أحضان رواية تستحوذ على كل مشاعري وخواطري.. فلا أتركها حتى أصل إلى نهايتها!
كم أحببت الروايات التاريخية – وأذكر منها “عذراء قريش” و “فتاة غسان” لجرجي زيدان، ورواية “وا إسلاماه” لعلي أحمد با كثير.
وكم عشقت الروايات الرومانسية والواقعية للأدباء المعاصرين: نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، محمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي…
وأخص بالذكر رواية “إني راحلة” للأديب الراحل يوسف السباعي، تلك الرواية التي قرأتها في يوم واحد، وقد تفاعلت.. تعاطفت.. وتماهيت مع أبطالها وأحداثها، وأصدقكم القول: انهمرت دموعي وبكيت على موت أحمد وعايدة!!
القراءة تنمي التفكير وتكسب القيم
أيها الأعزاء والأحباء!
عنوان حديثي هو: “دور القراءة في تنمية التفكير وتذويت القيم”
وبالفعل، اعتمادا على تجربتي الذاتية، وعودة للذكريات التي لا تمحوها السنون، أقول:
حقا، القراءة تنمي التفكير وتكسب القيم..
فاليوم، عندما أتحدث عما قرأت وعما أقرأ، فأنا أقوم بعمليات التفكير كما نص عليها الباحث “بلوم”:
فأنا أمارس عمليات ومهارات:
التذكر – الفهم – التطبيق – التحليل – التركيب/الإبداع – والتقييم.
وفي الوقت نفسه أكتشف كم ذوت من القيم والمثل النبيلة التي أسهمت في صقل شخصيتي، وفي بناء هويتي، وفي تعزيز انتمائي، وفي تحقيق ذاتي!
بفضل قراءاتي – وعوامل أخرى- تشربت نفسي بمنظومة قيم أعتز بها:
فلدي قيم ذاتية، واجتماعية، ووطنية، وقومية وإنسانية، أصبحت دستورا لي لا أحيد عنها، ونبراسا أهتدي به.
واسمحوا لي أن أعود للذاكرة وللذكريات، وسأذكر بعض النماذج الشعرية التي تعلمتها أو علمتها أو قرأتها…وهي من تراثنا الأدبي الخالد
أبدأ بتلك القصيدة الرائعة لمالك بن الريب التميمي التي رثى بها نفسه:
ألا ليتَ شِعـري هـل أبيتـنَّ ليلـةً ** بجنب الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيـا
فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَـه ** وليت الغضى ماشى الرِّكـاب لياليـا
لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى ** مزارٌ ولكـنَّ الغضـى ليـس دانيـا
ألم ترَنـي بِعـتُ الضلالـةَ بالهـدى ** وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيـا
تقول ابنتيْ لمّـا رأت طـولَ رحلتـي ** سِفـارُكَ هـذا تاركـي لا أبـا ليـا
تذكّرتُ مَنْ يبكـي علـيَّ فلـم أجـدْ ** سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيـا
وأشقـرَ محبوكـاً يـجـرُّ عِنـانـه ** إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيـا
فيا صاحبَيْ رحلي دنا الموتُ فانـزِلا ** برابـيـةٍ إنّــي مقـيـمٌ ليالـيـا
أقيما علـيَّ اليـوم أو بعـضَ ليلـةٍ ** ولا تُعجلانـي قـد تَبـيَّـن شانِـيـا
وقوما إذا ما استـلَّ روحـي فهيِّئـا ** لِيَ السِّدْرَ والأكفـانَ ثـم أبكيـا ليـا
وخُطَّا بأطـراف الأسنّـة مضجَعـي ** ورُدّا علـى عينـيَّ فَضْـلَ رِدائـيـا
ولا تحسدانـي بــاركَ اللهُ فيكـمـا ** من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا
خذانـي فجرّانـي ببـردي إليكـمـا ** فقد كنتُ قبـل اليـوم صَعْبـاً قِياديـا
يا ليتَ شعري هـل بكـتْ أمُّ مالـكٍ ** كما كنتُ لـو عالَـوا نَعِيَّـكِ باكِيـا
ذا مُتُّ فاعتـادي القبـورَ وسلِّمـي ** على الرمسِ أُسقيتِ السحابَ الغَواديا
ألسنا نلمس في هذه الأبيات قيما سامية، قيما ذاتية واجتماعية وإنسانية… حيث تتجلى قيم البر بالوالدين، والعطف على الأبناء، والشجاعة والإقدام والرفق بالحيوان!
وأعود للذاكرة لأستحضر مقاطع من قصيدة “الطلاسم” الفلسفية للشاعر المهجري إيليا أبو ماضي حيث يقول:
إنّني أشهد في نفسي صراعا وعراكا
وأرى ذاتي شيطانا وأحيانا ملاكا
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكا
أم تراني واهما فيما أراه؟
لست أدري!
بينما قلبي يحكي في الضّحى إحدى الخمائل
فيه أزهار وأطيار تغني وجداول
أقبل العصر فأسى موحشا كالقفر قاحل
كيف صار القلب روضا ثمّ قفرا؟
لست أدري!
أين ضحكي وبكائي وأنا طفل صغير
أين جهلي ومراحي وأنا غضّ غرير
أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير
كلّها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟
لست أدري!
ألسنا نحلق مع الشاعر في أفكاره الفلسفية وتساؤلاته الحائرة، فنكتسب عمقا، ونزداد حكمة وتبصرا!!
وتأبى الذاكرة أن تنسى، وكيف لها أن تنسى قمة شامخة، كيف لا تستحضر شاعر العروبة، شاعر الحكمة والبيان، إنه المتنبي الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره،
قصائد عديدة ترددها الذاكرة، أبيات عديدة تتكرر على مسامعي، لكن قصيدة “وا حر قلباه” في عتاب سيف الدولة كان لها الحظوة…
واحـر قلــــباه ممــن قلبــه شبــم ** ومن بجسمـي وحـالي عنده سقـم
مـــا لـي أكتم حبا قد برى جسدي ** وتدعي حب سيف الدولة الأمم
يا أعدل الناس إلا في معــاملتي ** فيك الخصام و أنت الخصم والحكم
أعيذها نظـــرات منك صادقـــة ** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظـــره **إذا استـــوت عنده الأنوار و الظلم
سيعلـم الجمع ممن ضم مجلسنا ** بأنني خير من تسعى به قـــــدم
أنا الذي نظر العمى إلى أدبي ** و أسمعـت كلماتي من به صمــم
الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي ** والسيف والرمح والقرطاس و القلم
أدعوكم لتشاركوني هذه المتعة الجميلة مع الإيقاع والموسيقى والمعاني والحكم التي تنبض بها هذه الأبيات!
تبرز الحكمة في الدعوة لتحكيم العقل والنظرة الثاقبة لتمييز الغث من السمين، والورم من الشحم!
وتبرز “نرجسية” المتنبي وحبه المفرط لذاته، فهو الأفضل، وهو رجل السيف والقلم، ويروى أن البيت الأخير كان سببا في قتله وموته!
وأختتم هذه الرحلة مع الذاكرة والذكريات بأبيات من قصيدة “الغلة الحمراء” لشاعرنا المحلي راشد حسين حيث يقول:
الغلة الحمراء
مرج ابن عامر هل لديك سنابل ** أم فيك من زرع الحروب قنابل ؟
أم حينما عز النبات صنعت من ** لحم الطفولة غلة تتمايل
فإذا الصغار الأبرياء سنابل ** وإذا القنابل للحصاد مناجل
يا مرج قل لي هل ترابك سامع ؟ ** أم أنت عن صوت الملامة ذاهل؟
أنا لم أشاهد في الخريف سنابلا ** إلا خريفك بالسنابل حافل
أبناؤنا من طين صدرك لحمهم ** فالوجه مثلك اسمر متفائل
أبناؤنا طيات أرضك أمهم ** هل تقتل الأبناء أم عاقل؟
يا مرج لو قبل المنون عددتهم ** لوجدت خمسة عشر فيك تمايلوا
أحسبت أقلام الرصاص بنا دقا ** وبأن صبيتنا الصغار جحافل؟
أم أن أوراق الدروس وثائق؟ ** أم في الحقائب عدة وحبائل ؟
قالوا القنابل عبقري صاغها ** صدقوا….. ولكن عبقري سافل
آمنت بالإنسان يبني مصنعا ** للحب ….. لا لمدافع تتقاول
آمنت بالإنسان هب محاولا ** لأخوة …… لا للخصام يجادل
حقا، لقد أبدع راشد حسين في تصوير تلك المأساة المروعة، فامتلأت القلوب حزنا، وفاضت العيون ألما، على البراعم الطاهرة التي راحت ضحية تلك القنابل الغاشمة الغادرة…
ونلمس في القصيدة القيم النبيلة، قيم الانتماء والمشاركة، وقيم الدعوة للمحبة والوئام ونبذ تسخير عبقرية الإنسان لاختراع آلات التدمير والفناء، بل توظيفها في بناء مصانع الحب والرفاهية والإخاء!

[عدد التعليقات:لا يوجد] [4,564 زيارة] [التصنيف: لغات] [طباعة ]

الكاتب - د. خالد مرّة

مدير معهد مرّة للعلوم والتكنولوجيا, والذي أقيم عام 2000. ومدير موقع مرّة.كوم ومؤسسه ويعمل طبيب أسنان ويدير عيادات مرّة لطب الأسنان. هذا بالاضافة الى كونه مؤلف لأكثر من 30 كتاباً في مجال تطوير العقول وتسهيل طرق التفكير لجميع المراحل التعليمية.

اخترنا لكم

أكتب تعليق