مرحباً بكم في معهد مرّة |

ليت أحلام اليقظة تتحقق! – د. محمود أبو فنه

أمس، عدت في ساعة متأخرة إلى البيت بعد عمل يوم مضنٍ، استرحت قليلا، ثم تناولت وجبة الأكل المعتادة.. خرجت إلى الشرفة لأحتسي فنجانا من القهوة.. رويدا رويدا أخذت تهب نسمات خفيفة من الهواء الطلق فتلطف الجو الخانق الحار.. بدأت اشعر بقليل من الانتعاش، نشط خيالي فسرح بعيدا في حلم جميل – وأنا صاحٍ تماما – ورحت في حلمي أتصور أن بلدي قد خلع عنه رداءه المهلهل، واكتسى بحلة جديدة.
حلمت أن الصغار في بلدي يهرولون إلى المكتبة العامة التي تقبع في بناية حديثة عصرية واسعة وأنيقة، فيها القاعات المكيفة، والمقاعد المريحة، والإضاءة الكافية، والرفوف المكدسة بالكتب الجميلة المتنوعة التي تلائم جميع الشرائح العمرية، وتستجيب للميول القرائية المتباينة..
كان عاملو المكتبة وأمناؤها يستقبلون جموع الوافدين بكل حفاوة وترحاب!
رأيت – في حلمي – بعض الصغار يختار بنفسه الكتاب الذي يروقه، يتناوله يكل احترام وحب ويتوجه به إلى زاوية الصغار وهناك يجلس على مقعد مريح، يفتح الكتاب ويبدأ بالتهام الحروف والكلمات وكل قسمات وجهه وحركاته توحي بالرضا والمتعة والسعادة !
آخرون يتقدمون بكل أدب لإحدى العاملات في المكتبة، طالبين منها أن ترشدهم في اختيار كتب تلائمهم فتفعل ذلك والمحبة تغمر النفوس !
أجواء المكتبة العامة رائعة حقا، الأشجار والورود تحيط بهذا الصرح الثقافي فتضفي عليه مزيدا من الظلال، وتنشر حوله الروائح العبقة !
أرضية المكتبة مغطاة بالبسط والسجاد الناعم فلا تسمع وقع الأقدام وهي تخطو وتتنقل في جنبات المكتبة.
في زاوية أخرى من زوايا المكتبة، ينهمك باحث مع مجموعة من المجلدات والمصادر يفتش فيها عن ضالته من المعارف والمعلومات التي تخص بحثه !
في ناحية أخرى، اصطف القراء بانتظام، كل يحمل كتابا يبغي استعارته للبيت ليتسنى له قراءته بعمق وتأنٍ.
جدران المكتبة نظيفة، ألوانها هادئة، تزين بعضها الصور والرسومات المعبرة !
في المدخل، وبالقرب من البوابة الرئيسية ثبتت لوحة كبيرة علقت عليها منشورات وإعلانات وكتابات حول كتب جديدة وصلت المكتبة حديثا، أو توصي بقراءة كتب مفضلة.
في الإعلانات، الكثير من الفعاليات والنشاطات:
غدا، في ساعات المساء، سيكون لقاء مع أديب الأطفال كامل عبد التواب، الذي سيتحدث عن كتابه الأخير ” رحلة إلى حيفا ” .
في نهاية الأسبوع، ستعقد ندوة حول ” شخصية المرأة في أدبنا المحلي ” .
بعد عشرة أيام سيزور المكتبة العامة راوي القصص جعفر الحكواتي ليلتقي مع جمهور الأمهات وأولادهن ليروي بعض الحكايات الشعبية.
في نهاية الشهر تستضيف المكتبة العامة الممثل القدير عادل أدهم ليلتقي مع ” نادي المطالعة ” ويقدم عروضا ومقاطع من قصص مشهورة.
وتتشابك خيوط حلمي في يقظتي على الشرفة، فأتصور أن الظلام قد حل بعد أن غربت الشمس.. وها هم الأطفال والكبار قد عادوا إلى بيوتهم، والنعاس يداعب أجفان الصغار ومع ذلك يلحون على الأمهات أن يقرأن لهم القصص والحكايات المسلية الممتعة، وأسمع بعض الأمهات – في حلمي – تردد التهاليل الجميلة على مسامع الصغار كي يناموا في سعادة وحبور.
وفجأة، أصحو من حلم يقظتي على ضجيج الشوارع وصراخ الأطفال، وأصوات مكبرات الصوت تحمل للآذان أغاني أفراحنا وأعراسنا اليومية..
ما هذا ؟!! يبدو أنني تجاوزت في حلمي الحدود.. تمنيت وأحببت أن يتحقق حلم يقظتي.. لعل أمة ” اقرأ ” تعرف قيمة القراءة في هذا العصر الذي لا يرحم الضعفاء !!

[عدد التعليقات:لا يوجد] [3,600 زيارة] [التصنيف: خواطر] [طباعة ]

الكاتب - د. خالد مرّة

مدير معهد مرّة للعلوم والتكنولوجيا, والذي أقيم عام 2000. ومدير موقع مرّة.كوم ومؤسسه ويعمل طبيب أسنان ويدير عيادات مرّة لطب الأسنان. هذا بالاضافة الى كونه مؤلف لأكثر من 30 كتاباً في مجال تطوير العقول وتسهيل طرق التفكير لجميع المراحل التعليمية.

اخترنا لكم

أكتب تعليق