مرحباً بكم في معهد مرّة |

رواية تاريخية – هبة القــدس والأقـصى

رواية تاريخية – هبة القــدس والأقـصى (تشرين أول – أكتوبر 2000)

مركز الدراسات المعاصرة

* تمهيد
وصلت عام 2000 م ما عرف بالمسيرة السلمية التي تلت اتفاق أوسلو 13/9/1993 إلى طريق مسدود، كنتيجة للتعنت الإسرائيلي وسياسة التسويف والمراوغة لكسب الوقت بغية مواصلة بناء المستوطنات ونهب الأراضي الفلسطينية وتهويد الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية ومدينة القدس الشريف.

هبة القدس والاقصى

انسداد أفق المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي حمل الإدارة الأمريكية بزعامة الرئيس «بيل كلنتون» لدعوة الفلسطينيين والإسرائيليين للتفاوض في الولايات المتحدة وبإشراف مباشر من الرئيس الأمريكي نفسه في منتجع كامب ديفيد، وعليه تمت دعوة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي «براك» على رأس وفدين مفاوضين للمشاركة في هذا الاجتماع في تموز يوليو 2000.
قمة كامب ديفيد هذه كان الفشل مصيرها، بسبب مواقف الطرف الإسرائيلي المفاوض من القضايا الجوهرية وعلى رأسها قضية اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والمسجد الأقصى، تلك القضايا التي عرّفها «ايهود براك» بالخطوط الحمراء التي لن يتنازل عنها في أي ظرف من الظروف، ناهيك عن تمسك الطرف الفلسطيني المفاوض بالثوابت الفلسطينية رغم محاولات الرئيس الأمريكي «كلنتون» للتجسير بين مواقف الطرفين وطرح بدائل لتليين مواقف الفلسطينيين والإسرائيليين.
فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية أجج روح السخط والغضب في الشارع الفلسطيني، الذي سبق وبنى آمالا عريضة على ما عرف بالعملية السلمية ، وجعله يحلم بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها مدينة القدس.

*اندلاع هبة القدس والأقصى:

 
مثّلت عملية اقتحام «ارئيل شارون» – عضو الكنيست الإسرائيلي ورئيس كتلة المعارضة حينها، المسجد الأقصى في 28/9/2000 وتدنيسه له، الشرارة التي أدت إلى اندلاع هبة القدس والأقصى، هذا الاقتحام الذي فُسر وقتها على أنه استفزاز لمشاعر المسلمين والفلسطينيين وقد حصل في ظل أجواء فشل محادثات «كامب ديفيد» الثانية وبمرافقة الآلاف من عناصر الشرطة الإسرائيلية.

فعلة «ارئيل شارون» هذه أحدثت حالة من الغليان في صفوف الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني، بعدما أقدمت الشرطة الإسرائيلية وما يعرف بالأجهزة الأمنية الأخرى على إطلاق الرصاص على المصلين داخل المسجد الأقصى ووقوع قسم منهم بين شهيد وجريح واعتقال البعض منهم أيضا.

سياسة المؤسسة الإسرائيلية الهمجية هذه وموقفها من الفلسطينيين المحتجين على تدنيس شارون للمسجد الأقصى حدا بالفلسطينيين في مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة للخروج إلى الشوارع نصرة للمسجد الأقصى ولقضيتهم العادلة، فارتقى العديد من الشهداء والجرحى، وقد جاءت حادثة استشهاد الطفل محمد الدرة رحمه الله في 30/9/2000 نقطة تحول أخرى في مسار مسيرة التصدي للاحتلال في الضفة وقطاع غزة، لا بل والداخل الفلسطيني، فقد عبرت الجماهير العربية في مختلف مناطق الداخل الفلسطيني عن غضبها على ذلك العمل الجبان، فبدأ أوار المواجهات يشتد من يوم إلى آخر بدءًا من 28/9 إلى 30/9.

تسارعت الأحداث، واشتدت همجية الشرطة وحرس الحدود والوحدات الخاصة «المستعربون» ضد الفلسطينيين فارتقى شهداء كثر في الضفة الغربية، بما فيها القدس وقطاع غزة، هذا أثار حفيظة قادة المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني بكل أطيافهم وانتماءاتهم، وعليه عقدت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية جلسة طارئة لها يوم 30/9/2010 أصدرت على أثرها عدة قرارات؛ أهمها دعوة الفلسطينيين في الداخل للتظاهر ضد المجازر الإسرائيلية في حق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والدعوة لزيارة أسر الشهداء والجرحى في المستشفيات.

ازدادت حدة المواجهات على أثر هذه التطورات، وخرجت المسيرات بمشاركة الألوف من الرجال والنساء في مختلف القرى والمدن العربية في الداخل الفلسطيني، هتف المشاركون فيها: بالروح بالدم نفديك يا أقصى، بالروح بالدم نفديك يا شهيد، الله أكبر ولله الحمد.

*الجريمة:

 

شهداء هبة القدس والاقصى

جرائم القتل التي أقدمت عليها الشرطة الإسرائيلية وأفراد حرس الحدود وبدم بارد أثناء أحداث هبة القدس والأقصى في حق أبناء المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني هي ترجمة عملية لموقف وسياسة حكومة الجنرال «ايهود براك» ووزير الأمن الداخلي في حكومته «شلومو بن عامي»، وبمشاركة باقي أعضاء الطاقم الوزاري وقادة ألوية الشرطة وعلى رأسهم الضابط «اليك رون» .

* ومن أم الفحم البداية:
انطلقت مسيرات ضخمة وجبارة من شوارع المدينة والقرى المجاورة شارك فيها الآلاف منددين بالمجازر الإسرائيلية في حق الفلسطينيين، يتقدمهم قادة الحركة الإسلامية، وعلى رأسهم الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية ورئيس بلدية أم الفحم في حينه، وقادة الفعاليات السياسية الأخرى.

حشدت الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود أعدادا كبيرة من عناصرها، ولم تتورع عن إطلاق النار بهدف القتل على المتظاهرين، وبخاصة من قناصيها الذين أخذوا مواقع لهم على أسطح المنازل المرتفعة والعالية وقمم الجبال المحيطة بمدخل المدينة، رغم مطالبات وجهاء المدينة، وعلى رأسهم الدكتور سليمان أحمد إغبارية، نائب رئيس البلدية حينها، بسحب الشرطة لعناصرها وعدم الاحتكاك بجمهور المتظاهرين…

* ويرتقي الشهداء…
* أحمد إبراهيم صيام في 1/10/2000 – أم الفحم – قرية معاوية – 18 سنة.
* محمد أحمد جبارين في 2/10/2000 – أم الفحم – 23 سنة.
* مصلح أبو جراد في 2/10/2000 – أم الفحم- (من غزة) -19سنة.

* وثارت جت المثلث:
مسيرة ضخمة انطلقت من القرية صوب المدخل الشرقي والرئيسي لها، احتجاجا وتنديدا بالمجازر الإسرائيلية الهمجية في حق الفلسطينيين واحتجاجا على تدنيس المسجد الأقصى.
استشهد على أثرها الشهيد رامي غرة برصاصة في الرأس من مسافة خمسة أمتار فقط.
* رامي حاتم غرة في 1/10/2000 – جت المثلث – 21 سنة.

* الناصرة تنتفض وتشمخ :
مسيرات ومظاهرات ومواجهات حامية الوطيس اندلعت بين المتظاهرين من أبناء المدينة والشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود، لا بل ويهود من «نتيسرت عيليت» أخذوا يهاجمون الحي الشرقي من مدينة الناصرة، وأثناء هذه المواجهات ارتقى الشهداء…
* إياد صبحي لوابنه في 2/10/2000 – الناصرة – 26 سنة
* عمر محمد عكاوي في 8/10/2000 – الناصرة – 42 سنة
* وسام حمدان يزبك في 9/10/2000 – الناصرة – 25 سنة

* وسخنين الشهداء تزأر:
انطلقت جموع الشبان والأهالي من أبناء سخنين العريقة بوطنيتها منددة بالمذابح الإسرائيلية وارتقاء شهداء من الداخل الفلسطيني، تجمع هؤلاء في المدخل الغربي للمدينة واصطدموا بالشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود الذين تعاملوا مع الجماهير الغاضبة بكل وحشية وبربرية، فارتقى شهيدان بدم بارد.
* عماد فرج غنايم في 2/10/2000 – سخنين – 25 سنة.
* وليد عبد المنعم أبو صالح في 2/10/2000 – سخنين – 21 سنة.

* ولعرابة البطوف دور:
صدى الأحداث وارتقاء الشهداء هز أهالي عرابة، فخرجوا كعادتهم منددين بالمذابح الإسرائيلية إلى مدخل القرية للتعبير عن غضبهم على ما تقوم به عناصر الشرطة وحرس الحدود، وحتى عناصر من اليهود من المستوطنات اليهودية المجاورة، فدارت مواجهات عنيفة ارتقى على أثرها اثنان من عرابة شهداء:
* أسيل حسن عاصلة في 2/10/2000 – عرابة – 17 سنة.
* علاء خالد نصار في 2/10/2000 – عرابة – 18 سنة.

* ووصل الصدى كفرمندا…
مظاهرات الغضب على تدنيس المسجد الأقصى وارتقاء الشهداء وصل صداها قرية كفرمندا، فاندلعت المواجهات بعد أعمال الاستفزاز التي قامت بها الشرطة وحرس الحدود للشباب، وإطلاقها الرصاص المطاطي والحي عليهم، ما أوقع العديد من الإصابات في صفوفهم، وتأبى كفرمندا إلا دفع ضريبة هذه الهبة شهيدا من أبنائها البررة برصاصة قناص مجرم في الرأس، بعدما أدى صلاة المغرب وواصل تصديه لسوائب الشرطة.
* رامز عباس بشناق في 3/10/2000م – كفرمندا – 24 سنة.

* وكفركنا لم تستثن…
قرية كفركنا الجليلية هبت كغيرها من القرى والمدن العربية، رافضة تدنيس المسجد الأقصى من قبل «شارون» والمذابح في حق الفلسطينيين، ودارت مواجهات على مدخل القرية على مدار أيام، واجه خلالها أهالي القرية الشرطة وحرس الحدود بصدورهم العارية، وارتقى فيها شهيد شارك في الأحداث على مدار ثلاثة أيام، ارتقى برصاصة قناص غادر…
* محمد غالب خمايسي في 4/10/2000م – كفركنا – 19 سنة.

* لجنة «أور» ذر للرماد…
جريمة قتل 13 شابا من أبناء الداخل الفلسطيني لم يُسكت عنها، وإنما طالبت الجماهير العربية، ممثلة في لجنة المتابعة العليا، بضرورة محاكمة القتلة من عناصر الشرطة وحرس الحدود، فعيّنت الحكومة الإسرائيلية بداية لجنة فحص جماهيرية، لكن المجتمع العربي بكل هيئاته لم يتعاون معها لأنها فاقدة الصلاحيات، فحُلّت وتم استبدالها بلجنة تحقيق رسمية في 8/11/2001م برئاسة قاضي المحكمة «تيودور أور».
استمر عمل اللجنة قرابة السنتين، كانت على مرحلتين.
– المرحلة الأولى:
خصصت لجمع البيانات واستيضاح الحقائق.
– المرحلة الثانية : خصصت لسماع الشهود.
لجنة التحقيق الرسمية هذه حذّرت 14 شخصية، شملت رئيس الوزراء وقتها «إيهود براك» ووزير الأمن الداخلي وقتها «شلومو بن عامي» و9 من أفراد الشرطة، منهم القائد العام للشرطة آنذاك «يهودا فيلك» وقائد المنطقة الشمالية «اليك رون»؛ كما وحذرت اللجنة ثلاثة من قادة المجتمع العربي في الداخل هم: الشيخ رائد صلاح وعزمي بشارة وعبد المالك دهامشة.
إشكاليات لجنة التحقيق:
1- عدم تشخيص معظم المسؤولين عن أعمال القتل.
2- عدم منح عائلات الشهداء حق الاستجواب.
3- إلقاء اللوم على المجتمع العربي.
4- الاعتماد على معلومات سرية ومعادية من «الشاباك».
موقف المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني من توصيات «أور»
رفضت كل الأحزاب والحركات والفعاليات بما فيهم لجنة ذوي الشهداء ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية توصيات لجنة «أور» وبالذات عدم تقديم القتلة للمحاكمة.
كما ورفضت لجنة ذوي الشهداء ايضا اية تسوية اخرى أو تعويض عدا ما تم من تغرير بالبعض.
وهدد بعض قادة المجتمع العربي بالتوجه إلى القضاء ومقاضاة المسؤولين عن قتل 13 شابا عربيا.
وخيّمت مشاعر الغضب والسخط الشديدين على عائلات الشهداء، ورأى بعضهم أن اللجنة تهاونت مع المسؤولين وأن الأمر برمّته مهزلة، وأصدرت كل الأحزاب والحركات، وعلى رأسها الحركة الإسلامية، بيانات رفض وشجب لتقرير لجنة «أور».

[عدد التعليقات:لا يوجد] [10,706 زيارة] [التصنيف: التربية والتعليم, المواضيع الرئيسية, فعاليات تربوية وثقافية] [طباعة ]

الكاتب - د. خالد مرّة

مدير معهد مرّة للعلوم والتكنولوجيا, والذي أقيم عام 2000. ومدير موقع مرّة.كوم ومؤسسه ويعمل طبيب أسنان ويدير عيادات مرّة لطب الأسنان. هذا بالاضافة الى كونه مؤلف لأكثر من 30 كتاباً في مجال تطوير العقول وتسهيل طرق التفكير لجميع المراحل التعليمية.

اخترنا لكم

أكتب تعليق