مرحباً بكم في معهد مرّة |

التفكير وأهميته في حياتنا

التفكير وأهميته

التفكير وأهميته

اليكم هذه القصة الجميلة والهادفة, والتي تعلمنا اهمية التفكير وان كل شىء فى الحياة له معنى و وظيفة محددة خلقه الله لها.
وجدت أبي جالساً من دون أوراقه ودفاتره وكتبه، قلت لنفسي:
إنها فرصة يجب أن أنتهزها لكي ألقي عليه بعض أسئلتي، وكانت مفاجأة كبيرة أن قال لي:
ـ أنا مشغول جداً..
قلت: ليس في يدك (شغل)! هل التفكير شغل يا أبي؟
أجاب: نعم، ويحتاج إلى جهد كبير.
مد أبي يده، والتقط ورقة، خط عليها كلمة، وأنا أسأله: هل إذا فكرت( ماذا نأكل على مائدة الغداء اليوم ) يكون هذا تفكيراً ويحتاج جهداً؟
ـ لا.. التفكير يكون حول مشكلة أو موضوع جاد مهم، على صورة سؤال أطرحه على نفسي ويجول في خيالي.
ـ كيف؟
ـ في يدك مجلة (براعم الإيمان) ماذا يعني هذا العنوان؟
قلت: مجرد اسم مجلة، لأعرفها من غيرها..
قال: لا.. تعال ندير العبارة في رؤوسنا.. براعم؟ ماذا تعني البراعم؟..
ـ جمع برعم..
ـ وما البرعم؟
ـ أعرف أنه شيء يتعلق بالنبات.
ـ إذاً لم أعرفه بشكل محدد، أبحث عن المعنى في المعجم.. وسأعرف أنه الزهرة قبل أن تتفتح.
ـ آه آه..
ـ وما الإيمان؟ ما معنى أني أؤمن بالله؟
– تعني أنه سبحانه وتعالى موجود، وإني أثق فيه، وأصدقه..
ـ هذا صحيح.. والعبارة كلها تعني أن تنفتح على الإيمان، كما يتفتح البرعم عن زهرة.
ـ الله.. إنها عبارة جميلة، ورائعة.
ـ هل أعجبتك فكرة أن ندير الكلمة أو الفكرة في رؤوسنا؟
ـ نعم.
ـ هيا بنا نفكر في كلمة (الزهرة).. ما الذي يمكن أن توحي إليك به؟
سكت، وانشغلت في التفكير، بل غرقت فيه.

عاد أبي إلى ما كان يفكر فيه، بأن ألقى نظرة على الكلمة التي خطها على الورق، وتركني مع (الزهرة).. قلت لنفسي في هدوء:
ـ إنها جميلة. من أجمل ما خلق الله من كائنات. يا الله ما أروع منظرها! ما أروع بديع ألوانها، ورقتها، وهدوءها.
رغبت في ألا أعطل أبي عن (تفكيره) و(شغله) و(عمله)، وأردت أن أقلده، وأضع أفكاري على الورق. التفكير بهذه الطريقة لعبة حلوة. ورأيتني أكتب.
الزهرة كانت برعماً على غصن. هذا النبات كان (بذرة). دفناها في الأرض، من أجل أن تعيش من جديد، تبعث وتنبثق عوداً أخضر، يخرج من الظلام إلى النور. بعد أن يمد جذوره عميقة في الأرض. إن البذرة تنمو في اتجاهين: جذور إلى تحت، لتزداد تشبثاً بالأرض، ومن لا جذر له سهل أن يقتلع. وساق تصعد إلى أعلى لتكوِّن فروعاً وأغصاناً وأوراقاً. ثم يظهر البرعم. ما أبدعه وهو ينغلق على نفسه بعض الوقت، ومن ثم ينضج خلالها ليصبح زهرة وتتحول الزهرة إلى ثمرة.
عندما وصلت في تفكيري إلى هذا، قفزت واقفاً، مهللاً، مصفقاً بيديَّ في فرحة غامرة، غير متنبه إلى أنني بذلك أقطع تفكير أبي. سألني بهدوء:
ـ ماذا جرى؟
ـ هذه اللعبة أجمل من كرة القدم.
ضحك والدي وقال: أنت تلعب بكرة أخرى أفضل، هي (الكرة) التي وضعها الله من فوق عنقك، وبين كتفيك، أعني (رأسك) أو دماغك.

مددت يدي بالورقة التي كتبتها، قرأها بسرعة والابتسامة تعلو وجهه، كانت عريضة، وقال:
أحسنت.. لكن لا تنفعل بأفكارك بهذه الصورة الحادة، وإلا فإنك ستفعل ما فعله (أرخميدس) حين خرج من الحمام، عارياً كما ولدته أمه، حين أوحت له المياه التي فاضت من حوض الاستحمام بفكرة قانون الطفو… أنت تعرف الحكاية طبعاً؟
ـ نعم.
ـ واجعل تفكيرك في كلمة (الزهرة) واتركها تدور في رأسك، ولا تقطع عليَّ حبل أفكاري.

إنني بكل صدق، لم أعرف لعبة أجمل أو أفضل من لعبة التفكير، التي لا تكلفني الكثير. فلمجرد أن أختلي بنفسي، في مكان مريح، وتدور الكلمات في رأسي. بل لقد اكتشفت أني أستطيع ذلك وأنا بين الناس، واقفاً وسط الضجيج، لأهرب من الضجيج ومنهم. واسترسلت في لعبتي.. وكتبت:
ـ الزهرة تعلمني الإحساس بالجمال. وهذه الكلمة يرددها صديق لي كثيراً، وهو يقول: الحق، الخير، الجمال. أحسَّ بها إحساساً عميقاً حين أفكر في (الزهرة). وهي لا تنطق ولا تتكلم ولا تقول لنا: انظروا كم أنا جميلة.. إنها جماد، ولكنها جمال ما بعده جمال، وابتسمت إذ ورد في خاطري اسم معنى (الجمال)، وهنا اكتشفت أن أبي يتابعني، وكأنما أدرك أنه قد حدث معي بعض الشتات، همس:
ـ ركز.
وعدت بذهني في سرعة فائقة إلى البرعم، وكيف تتفتح زهرة، وتساءلت:
ـ كيف تتحول هي إلى ثمرة؟
وهنا تذكرت ما ينصحني به أبي من أنه من الضروري أن أرجع وأستشير: المعجم والأطلس ودائرة المعارف… وأضاف لها (الإنترنت).
وامتدت يدي إلى دائرة المعارف، وقرأت الكثير عن الزهرة، ولا رغبة عندي في أن أنقل لكم ما قرأت. إذ يتعين عليكم أن تفعلوا مثلما فعلت أنا. لكنني سجلت بعض الكلمات.
ـ الزهرة تحتاج إلى زيارة من النحلة أو الفراشة. والزهرة في أثناء ذلك تعطي وتأخذ, هي تعطي للنحلة رحيقها، الذي تحوله النحلة إلى عسل، وهي تأخذ مقابل ذلك حبوباً صغيرة، تسقط من سيقان النحلة إلى داخل الزهرة، وذلك هو ما يجعلها تلد الثمرة. الحياة أخذ وعطاء، وهي لا تعطي شيئاً من دون مقابل. ادفع، تحصل على ما ترغب فيه وتريده.
وضع أبي أوراقه على المنضدة، وتنفس الصعداء. كان واضحاً أنه أنجز ما كان يشغله، ومددت له يدي بأوراقي. ألقى عليها نظرة. ثم قال:
ـ الزهرة جعلتك تفكر تفكيراً علمياً، وفي الوقت نفسه وهبتك لغة شاعرية.
وحتى الآن سأضع في رأسي أشياء أفكِّر فيها، وأديرها في رأسي، وأمارس لعبة التفكير ممارسة عملية.

انصحكم بخوض هذه التجربة…

[عدد التعليقات:لا يوجد] [4,500 زيارة] [التصنيف: المواضيع الرئيسية, خواطر] [طباعة ]

الكاتب - د. خالد مرّة

مدير معهد مرّة للعلوم والتكنولوجيا, والذي أقيم عام 2000. ومدير موقع مرّة.كوم ومؤسسه ويعمل طبيب أسنان ويدير عيادات مرّة لطب الأسنان. هذا بالاضافة الى كونه مؤلف لأكثر من 30 كتاباً في مجال تطوير العقول وتسهيل طرق التفكير لجميع المراحل التعليمية.

اخترنا لكم

أكتب تعليق